الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
198
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
جديدة إلى سجل افتخاراته ، وكما يقول القرآن الكريم : قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . لا شك أن أمر الله هنا كان أمرا تكوينيا ، كالأمر الذي يصدره في عالم الوجود إلى الشمس والقمر ، والأرض والسماء ، والماء والنار ، والنباتات والطيور . والمعروف أن النار قد بردت بردا شديدا إصطكت أسنان إبراهيم منه ، وحسب قول بعض المفسرين : إن الله سبحانه لو لم يقل : سلاما ، لمات إبراهيم من شدة البرد . وكذلك نقرأ في رواية مشهورة أن نار النمرود قد تحولت إلى حديقة غناء ( 1 ) . حتى قال بعض المفسرين إن تلك اللحظات التي كان فيها إبراهيم في النار ، كانت أهدأ وأفضل وأجمل أيام عمره ( 2 ) . على كل حال ، فهناك اختلاف كبير بين المفسرين في كيفية عدم إحراق النار لإبراهيم ، إلا أن مجمل الكلام أنه في فلسفة التوحيد لا يصدر أي مسبب عن أي سبب إلا بأمر الله ، فيقول يوما للسكين التي في يد إبراهيم : لا تقطعي ، ويقول يوما آخر للنار : لا تحرقي ، ويوما آخر يأمر الماء الذي هو أساس الحياة أن يغرق فرعون والفراعنة ! ويقول الله سبحانه في آخر آية من الآيات محل البحث على سبيل الاستنتاج باقتضاب : أنهم تآمروا عليه ليقتلوه ولكن النتيجة لم تكن في صالحهم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين . لا يخفى أن الوضع قد اختلف تماما ببقاء إبراهيم سالما ، وخمدت أصوات الفرح ، وبقيت الأفواه فاغرة من العجب ، وكان جماعة يتهامسون علنا فيما بينهم حول هذه الظاهرة العجيبة ، وأصبحت الألسن تلهج بعظمة إبراهيم وربه ، وأحدق الخطر بوجود نمرود وحكومته ، غير أن العناد ظل مانعا من قبول الحق ، وإن كان
--> 1 - تفسير مجمع البيان ، ذيل الآية . 2 - تفسير الفخر الرازي ، ذيل الآية .